الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

258

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الواجب أصلي نظرا إلى تعلق الأمر بخصوص كل منها على وجه التخيير فيكون ذلك هو المراد بقوله ففي أيّ جزء اتفق إيقاعه فيه كان واجبا بالأصالة يعني أنه لما تعلق الأمر به بحسب أجزاء الوقت على سبيل التخيير كان الإتيان به في أيّ جزء كان من أجزائه إتيانا لما يجب عليه أصالة نظرا إلى تعلق الأمر به كذلك على نحو الواجب المخير فيندفع حينئذ بهذا التقرير ما يتوهم من المنافاة بين الوجوب وجواز الترك إذ ليس الواجب هناك شيئا واحدا حتى يتخيّل جواز تركه في أول الوقت ووسطه بل الواجب أفعال عديدة على سبيل التخيير بينها وجواز تركه حينئذ في الأول والوسط إنما هو من جهة التخيير المتعلق به وهو لا ينافي الوجوب كما مر في الواجب المخير وأنت خبير بما فيه إذ لا وجه للقول بتعلق الأمر أصالة بخصوص كل واحد من تلك الأفعال على سبيل التخيير ليكون الواجب الموسع واجبا مخيرا على الوجه المذكور ويكون الفرق بينه وبين غيره من الواجبات التخييرية مجرد ما ذكر بل الحق عدم تعلق الأمر هنا أصالة بخصوص إيقاع الفعل في شيء من أجزاء الوقت وإنما الواجب بالأصالة هنا فعل وهو الطبيعة المتعلقة للأمر المقيدة بعدم خروجه عن الزمان المفروض وتوضيح المقام أنه إذا تعلق الأمر بطبيعة على وجه الإطلاق كان الواجب هو أداء تلك الطبيعة في أيّ وقت كان من غير أن يتعلق وجوبه بخصوص وقت من الأوقات فنفس الطبيعة متصفة بالوجوب متعلقة للمنع من الترك بملاحظة ذاتها مع قطع النظر عن خصوصيات الأوقات من غير أن يكون خصوص إيقاعها في كل من تلك الأوقات الخاصة واجبا بالأصالة لعدم تعلق الأمر بشيء منها وإنما هي واجب بالتوقف ووجود الفعل على الزمان أو لكونه من لوازم وجوده فالأمر المتعلق بالطبيعة إنما يقتضي وجوب تلك الطبيعة بالأصالة وإنما هو خصوصيات المندرجة تحتها تبعا على سبيل التخيير لما ذكر ولا يقضي ذلك بكون الفعل المتقيد بتلك الخصوصية واجبا بالتبع ومن باب المقدمة نظرا إلى تعلق الأمر أصالة بنفس الفعل وكون الفعل متحدا مع الخصوصية بحسب الخارج ضرورة كون الماهية والتشخص متحدين بحسب الوجود وإنّما متعددان في تحليل العقل فالفعل الخاص الصادر من المكلف من حيث انطباقه على الطبيعة المطلقة المتعلقة للأمر أصالة يكون واجبات أصليّا ومن جهة خصوصيته المنضمة إلى تلك الطبيعة يكون واجبا بالتبع بملاحظة الغير فالتخيير الحاصل بين أفراد الواجب تخيير تبعي حاصل من الجهة المذكورة وهي غير جهة الأمر المتعلق أصالة بالطبيعة المفروضة فكون كل من تلك الأفعال واجبا أصليا من جهة اتحادها مع الطبيعة المطلقة لا ينافي كونها واجبة بالتبع من جهة الخصوصية الملحوظة فيها وهي من الجهة الأولى لا تخيير فيها إذ المفروض اتحاد الطبيعة وعدم حصول بدل عنها ومن الجهة الثانية يتخير المكلف بينها ولا أمر يتعلق بها أصالة من الجهة المذكورة إذا تقرّر ذلك فنقول بجريان ذلك بعينه في الواجب الموسع غير أن بينهما فرقا من جهة عدم ملاحظة الزمان في الأول أصلا وهنا قد لوحظ عدم خروج الفعل عن حدي الزمان المفروض ومن البين أن ذلك لا يقضي بتعلق الأمر أصالة بإيقاع الفعل في خصوصيات أبعاض الزمان المفروض ولو على سبيل التخيير كما أنه لا يقضي بتعلق الأمر بالطبيعة المطلقة تعلقه أصالة بخصوصيات الأفراد الخاصة نعم هنا وهناك وجوب تبعي تخييري متعلقة بتلك الخصوصيات حسبما ذكرناه ولا دخل له بوجوب نفس الفعل الملحوظ في المقام فالتحقيق أن يقال إنه لا مانع من تعلق الوجوب بالفعل في الزمان الذي يزيد عليه من غير حاجة إلى إرجاعه إلى الوجوب التخييري وجعل كل من الآحاد بدلا عن الآخر إذ بعد تعلق الأمر بالطبيعة في الزمان المتسع يكون الواجب هو إيجاد تلك الطبيعة في الزمان المضروب المفروض له بحيث لا يجوز تركه في جميع ذلك الزمان وإن جاز الترك في خصوص أبعاضه من غير فرق بين أوله ووسطه وآخره كيف ومن الواضح جواز تعلق الأمر بالطبيعة المطلقة من غير تقييد بزمان فيكون الواجب حينئذ نفس تلك الطبيعة ففي أي زمان أوجدها المكلف يكون واجبا نظرا إلى حصول الطبيعة به فكذا الحال في الموسع بل هو أوضح حالا منه لتقييد الوجوب فيه بالزمان المعين حيث لا يجوز تقديمه ولا تأخره عنه ففيه تطبيق لذاتها اتحاد الواجب لا توسع فيه بالنسبة إلى الواجبات المطلقة واتصاف الفعل بجواز الترك في خصوص أبعاض ذلك الزمان لا ينافي وجوب نفس الطبيعة وعدم جواز تركها بملاحظة ذاتها لما تقرر من عدم تعلق الوجوب المتعلق بالطبيعة بشيء من أفرادها بالنظر إلى الخصوصية المتحدة بها غاية الأمر أن تكون الأفراد واجبة بملاحظة اتحادها مع الطبيعة وذلك لا يقضي بتعلق الوجوب أصالة بشيء من خصوصياتها نعم يتصف تلك الخصوصيات بالوجوب اتصافا عرضيا نظرا إلى اتحادها مع الواجب وعدم إمكان انفكاك الواجب من أحدها بل ربما يقال باتصافها بالذات بوجوب غيري تبعي تخييري لكونها مقدمة لحصول الواجب نظرا إلى توقف إيجاد الطبيعة على حصولها وفيه نظر سيجيء الإشارة إليه في المحل اللائق به وكيف كان فلا ربط للوجوب الملحوظ على أيّ من الوجهين المذكورين بما نحن فيه فإن الكلام في الوجوب الأصلي التعييني المتعلق بالطبيعة ولا يعتبر به جواز ترك ولا تخيير كما عرفت وإذا تبين أن جواز ترك كل من الأفراد غير مانع من اتصاف الطبيعة بالوجوب فكذا جواز ترك الطبيعة في خصوص كل زمان لا يمنع عن تعلق الوجوب بنفس الطبيعة كيف وليس الزمان إلا خصوصية من الخصوصيات التي يتقيد بها الفعل كما أن المكان والآلة والمتعلق ونحوها من جملة تلك الخصوصيات فإن الفعل لا يخلو عن أحد تلك القيودات إذ لا يكون عدم وجوب خصوص واحد منها على التعيين مانعا من تعلق الوجوب بالطبيعة فيتخير المكلف بين الإتيان بواحد من تلك الخصوصيات من غير تأمل لأحد ولا إشكال فكذا الحال في المقام إذ ليس زيادة الزمان بأعظم من زيادة المكان ولا جواز ترك الفعل في زمان خاص بأعظم من جواز ترك الفعل المتعلق بمتعلق خاص أو بآلة مخصوصة مع عدم منافاة شيء من ذلك لوجوب أصل الفعل وعدم جواز تركه لا ينافي جواز ترك كل من الخصوصيات المتحدة بالواجب المأخوذة في الفرد المتحد بالطبيعة الحاصلة بحصوله وبتقرير آخر وجوب أصل الفعل عينا وعدم جواز تركه من دون تخيير فيه لا ينافي التخيير في أدائه والإتيان به والتخيير الحاصل في هذه المقامات إنما هو في تأدية الواجب لا في أصله وأن الواجب نفس الطبيعة المطلقة والمقيدة ولا يجوز تركه ولا بدل له إلا أن أداء ذلك الواجب يحصل بوجوه متعددة يتخير المكلف بينها وذلك هو ما ذكرناه من التخيير التبعي